الشيخ المحمودي

193

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وقال عليه السّلام : « عجبت لمن علم أنّ اللّه قد ضمن الأرزاق وقدرها وأنّ سعيه لا يزيده فيما قدر له منها وهو حريص دائب في طلب الرزق » . وروى السيد المرتضى رحمه اللّه في الحديث الرابع ، من الفصل الأخير ، من الفصول المختارة : « أنّ الإمام المجتبى عليه السّلام قال لرجل : يا هذا ! لا تجاهد الطلب جهاد المغالب ، ولا تتكل على التقدير اتكال المستسلم ، فإنّ ابتغاء الفضل من السنة ، والإجمال في الطلب من العفة « 1 » وليست العفة بدافعة رزقا ، ولا الحرص بجالب فضلا ، فإنّ الرزق مقسوم ، والأجل موقوت ، واستعمال الحرص يورث المأثم » . ورواه أيضا في البحار : ج 17 ، ص 145 ، عن تحف العقول . ورواه أيضا في المجلد 23 ، منه ص 12 ، عن قصص الأنبياء على نحو ما استصوبناه . ورواه في الحديث 8 ، من الباب 11 ، من كتاب التجارة ، من مستدرك الوسائل : ج 2 ، ص 420 ، عن كتاب التمحيص . ويدل عليه أيضا ما يجيء من قول السبط الشهيد عليه السّلام : فإن تكن الأرزاق قسما مقدرا * فقلة حرص المرء في السعي أجمل بل جميع ما نذكر من الكلام المنظوم المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ظاهر في ذلك . وما قاله الإمام السّجاد زين العابدين عليه السّلام ، في المختار الأوّل ، من الصحيفة السجادية من قوله عليه السّلام : « جعل لكل روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقه ، لا ينقص من زاده ناقص ، ولا يزيد من نقص منهم زائد ، الخ » « 2 » .

--> ( 1 ) هذا هو الصواب ، وفي النسخة : فإنّ ابتغاء الفضل من السنة في الإجمال والطلب ، الخ . ورواه في البحار : ج 23 ، ص 10 ، عن الحسين عليه السّلام ، وفي آخره : فإنّ اتباع الرزق من السنة ، والإجمال في الطلب من العفة ، الخ . ( 2 ) قال بعض المحققين من الشرّاح : وفي نسخة قديمة : « وجعل لكل ذي روح منهم قوتا ، الخ » . والقوت - بالضم - ما يؤكل ليمسك الرمق ، ومنه الحديث : « اللّهم اجعل رزق آل محمد قوتا » أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم ، وفي الدّعاء من طريق العامة : « وجعل لكل منهم قيتة مقسومة من رزقه » وهي فعلة من القوت ، أي كمية من القوت ، ومن في قوله عليه السّلام : منهم - ابتدائية أو بيانية - وقوله عليه السّلام : معلوما ، أي معلوم الوصف والقدر والوقت ، على حسب ما تقتضيه الحكمة ، وتستدعيه الإرادة التابعة لها ، لا بما تقتضيه القدرة ، فإنّ ذلك غير متناه ، إذ تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك مع استواء الكل في الإمكان واستحقاق تعلق القدرة به ، لا بدّ له من حكمة تقتضي اختصاص كل ذلك بما اختص به ، وهذا البيان سر عدم تكوين الأشياء لا على وجه الكثرة حسب ما هو في خزائن القدرة ، كما قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 الحجر ) . وقوله عليه السّلام : مقسوما ، أي معينا مفروزا عن غيره قسمة تقتضيها مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة ، ولم يفوض أمره إليهم علما منه بعجزهم عن تدبير أنفسهم ، كما قال تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . ( 32 الزخرف ) . قوله عليه السّلام : من رزقه ، وإمّا متعلق بجعل ، أو بقوله : مقسوما . ( ومن ) يحتمل أن تكون ابتدائية وبيانية وتبعيضية . والضمير إمّا راجع إلى اللّه فيكون من باب إضافة الشيء إلى فاعله ، تأكيدا لجعله أو قسمته ، ليثق الإنسان بوصول ما قدره اللّه إليه ، فيكفّ عن الحرص والهلع في طلبه ، أو إلى الروح فيكون من باب إضافة الشيء إلى صاحبه بيانا لعنايته سبحانه ، وتمليكه ما يحتاج إليه . وقوله عليه السّلام : من زاده ، مفعول مقدم ، وناقص فاعله ، وهو اسم فاعل منه . وكذا قوله : من نقص منهم مفعول ، ومفعول نقص محذوف ، أي نقصه منهم ، والمعنى أنّ من زاد اللّه قوته أو رزقه منهم لا ينقصه ناقص ، ومن نقصه سبحانه لا يزيده زائد ، وقدم المفعول في الفقرتين لمزيد الاعتناء ببيان فعله تعالى ، من الزيادة والنقصان .